الراغب الأصفهاني
159
الذريعة إلى مكارم الشريعة
تُفْلِحُونَ « 1 » . واعلم أن منزلة الرضا أشرف المنازل بعد النبوة فمن رضي عن اللّه فقد رضي اللّه عنه ، لقوله تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ « 2 » فجعل أحد الرضاءين مقرونا بالآخر ، فمن بلغ هذه المنازل فقد عرف خساسة الدنيا ، واطلع على جنة المأوى ، وخطب مودة الملأ الأعلى ، وحظى بتحيتهم المعنية بقوله تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ « 3 » . وأما درجات الانحدار والارتداد عنها فأولاها : الكسل عن تحري الخيرات ويورثه ذلك الزيغ المعنى بقوله تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ « 4 » . وثانيها : الغباوة وهي ترك النظر ، وبغض العمل ، فيورثه ذلك رينا على قلبه ، وهو المعنى « 5 » بقوله تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ « 6 » . وثالثها : الوقاحة وهي « 7 » أن يرتكب الباطل ويراه في صورة الحق ويذب عنه ، فيورثه ذلك قساوة القلب ، كما قال تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً « 8 » .
--> ( 1 ) آل عمران / 200 . ( 2 ) البينة / 8 . ( 3 ) الرعد / 23 ، 24 . ( 4 ) الصف / 5 . ( 5 ) « وهو المعنى » ساقطة من ط . ( 6 ) المطففين / 14 . ( 7 ) في جميع النسخ وهو ، ولعل الصواب « وهي » . ( 8 ) البقرة / 74 .